صديق الحسيني القنوجي البخاري

75

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال في الجمل وعلى هذا فهو تأسيس لا تأكيد ولا تكرير ، قال أبو حيان : لم يتكرر النهي وإنما الذي سبق أخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلا معللا بشيء خاص هو أن تكون أمة هي أربى من أمة وجاء النهي بقوله هذا استئنافا للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا على العموم ، أي في كل حال ، فيشمل جميع الصور من الخديعة في المبايغة وقطع الحقوق المالية وغير ذلك . قال الواحدي : قال المفسرون وهذا في نهي الذين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين ، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ، من المبالغة ، وبما في قوله و تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام ؛ وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هي سبب نزول هذه الآية ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فَتَزِلَّ قَدَمٌ أي قدم من اتخذ يمينه دخلا عن محجة الحق بَعْدَ ثُبُوتِها عليها ورسوخها فيها ؛ قيل وإفراد القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أية قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام كثيرة ، وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه ، لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر ، ويقال لمن أخطأ في شيء زلت به قدمه . وَتَذُوقُوا السُّوءَ أي العذاب السئ في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بِما صَدَدْتُمْ أي بسبب امتناعكم وصدودكم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهو الإسلام أو بسبب صدكم لغيركم عن الإسلام ، فإن من نقض البيعة وارتد اقتدى به غيره في ذلك فكان فعله سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها ، ولهذا قال وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي متبالغ في العظم ، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا . ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ الذي تركتموه ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضا يسيرا حقيرا ، وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيرا فهو لكونه ذاهبا زائلا يسيرا . ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند اللّه فقال : إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ وفي رسم أن هذه اختلاف بين المصاحف العثمانية ففي بعضها وصلها بما ، وفي بعضها فصلها عنها كما ذكر ابن الجزري ، أي ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع وما عنده في الآخرة من نعيم الجنة الذي لا يزول ولا ينقطع هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ثم علل النهي عن أن يشتروا بعهد اللّه ثمنا قليلا بقوله إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وتميزون بين الأشياء .